محمد متولي الشعراوي

1703

تفسير الشعراوى

حين يخاطب اللّه المؤمنين ويناديهم بقوله : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » فلتعلم أن ما يجئ بعد ذلك هو تكليف من الحق سبحانه . فساعة ينادى الحق المؤمنين به ، فإنه ينادى ليكلف ، وهو سبحانه لا يكلف إلا من آمن به ، أما حين يدعو غير المؤمن به إلى رحاب الإيمان ، فإنه يثير فيه القدرة على التفكير ، فيقول له : فكّر في السماء ، فكّر في الأرض ، فكّر في مظاهر الكون ، حتى تؤمن أن للكون إلها واحدا . فإذا آمن الإنسان بالإله الواحد ، فإن الحق سبحانه وتعالى يقول له ما دمت قد آمنت بالإله الواحد ، فتلقّ عن الإله الحكم . إن الحق حين يقول : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » فهو سبحانه يخاطب بالتكليف المؤمنين به ، وهو لا يكلف ب « افعل » و « لا تفعل » إلا من آمن ، أما من لم يؤمن فيناديه اللّه ليدخل في حظيرة الإيمان : « يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ » فإذا ما دخل الإنسان في حظيرة الإيمان فالحق سبحانه وتعالى يكرم هذا المؤمن بالتكليف ب « افعل » و « لا تفعل » وما دام العبد قد آمن بالإله القادر الحكيم الخالق ، القيوم ، فليسمع من الإله ما يصلح حياته . ويجئ في بعض الأحيان ما ظاهره أن اللّه ينادى مؤمنا به ، ثم يأمره بالإيمان كقول الحق : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا » . ويتساءل الإنسان كيف ينادى اللّه مؤمنا به ، ثم يأمره بالإيمان ؟ وهنا نرى أن المطلوب من كل مؤمن أن يؤدى أفعال الإيمان دائما ويضيف لها ليستمر ركب الإيمان قويا ، فالحق حين يطلب من المؤمن أمرا موجودا فيه ؛ فلنعلم أن اللّه يريد من المؤمن الاستدامة على هذا اللون من السلوك الذي يحبه اللّه ، وكأن الحق حين يقول : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا » إنما يحمل هذا القول الكريم أمرا بالاستدامة على الإيمان ، لأن البشر من الأغيار . ونحن نعرف أن اللّه أفسح بالاختيار مجالا لقوم آمنوا فارتدوا ، فليس الأمر مجرد إعلان الإيمان ثم تنتهى المسألة ، لا ، إن المطلوب هو استدامة الإيمان . وحين نقرأ قول الحق : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » فلنفهم أن هناك تكليفا جديدا ، وما دام في الأمر تكليف فعنصر الاختيار موجود ، إذن فحيثية كل حكم تكليفي من اللّه له مقدمة هي : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » ولا تبحث أيها المؤمن في علة الحكم ،